القاسم بن إبراهيم الرسي
58
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
والكلامية في الإقناع البرهاني ، ويتخذ من كلام الملحد عن وجود الخير والشر في العالم دليلا على الوحدانية أيضا . ويتساءل الملحد عن علة خلق اللّه للعالم ، فيرده الإمام القاسم إلى كون اللّه الواحد الأحد القديم ، غنيا قادرا حكيما ، فلا شك أنه خلق العالم لغاية وعلة وسبب ، ولا يسع الإمام القاسم سوى الاستعانة بالنص ، في كونه تعالى خلقنا من أجل الابتلاء والامتحان والاختبار الذي تتعدد مراتبه ودرجاته وأنواعه ، واللّه في كل ما خلق حكيم قادر ، ولم يخلق العالم لحاجة لأنه الغني ، والقديم لا يحتاج ، ولا يسأل عن علة خلقه للأشياء ، لأن السؤال في حقه ممتنع ومرفوض ، وإلا دعا إلى الدور . ثم فسر - بفكرة الاستحقاق والعوض وإحسان اللّه لعباده - ما يحدث في هذا العالم من الآلام ، فلحكمة رآها البارئ عذّب عباده بالموت ، وأصاب بعضهم بالأمراض والابتلاء في البدن والمال والأولاد ، لداعية الإحسان إليهم بعد ذلك ، ولكن ما الذي يبرر أنها إحسان ، ولم أرغم عباده على ابتلاءات هو أرادها لهم ، وما وجه الإحسان في علمه تعالى بمصائر عباده وجهلهم بها ، ولم جعل بعض عباده أغنياء وبعضهم فقراء ، بعضهم في نعمة وسرور ، وآخرون في شر وغم ؟ . . كل هذه تساؤلات وجّه مثلها وقريبا منها الملحد ليتسنى له فهم ما يفعله اللّه بعباده . . أي ما الذي يعلل أفعاله . ثم أعقب ذلك بالحديث عن الرسالة والنبوءات ، وهل ما جاء به الأنبياء معقول أم لا ، أو هل تعقل الشرائع وتعلل أم لا ؟ . . وما المعجزات وكيف تكون ؟ . . لم يهدم اللّه بنية هو صانعها . . ولما ذا خلق البعث والنشور ، وما الدليل عليه وكيف يكون ؟ وقد رد الإمام القاسم على تساؤلات الملحد بالأدلة الشافية الكافية من المنقول والمعقول ، وسار به سيرا حميدا بلا لبس أو غموض ، حتى انتهى به الأمر أن يسلم وينطق بالشهادتين على إثر هذه المناظرة ، ويقول : ( تعست أمة ظلت عن مثلك ) . وأسلم وحسن إسلامه ، وصار من مريدي الإمام ومحبيه ، والآخذين عليه ، مما يعني أن المناظرة حققت أهدافها كاملة ، وتكلل جهد الإمام القاسم بالنجاح ، عندما توفر عنده المنهج السليم ، والعلم الذي صدق قواعد منهجه ، وسبق كل ذلك نية صالحة في هداية الخلق ، والدفاع عن الشرع والدين ، ونعجب أشد العجب عندما نعلم أنه كان يجادل عن دينه وينصره ، وهو مطارد غريب شريد بعيد عن الأمن بين الأهل والأوطان !